دولة ديمقراطية واحدة، هي الحل التاريخي الصحيح
( الجزء الثامن والأخير )

 
 

بقلم : علي الصراف / كاتب وصحافي عراقي

 
 

هذا الحل، سوف لن يُبطل التهديد الديمغرافي وحده، ولكنه يُبطل التنازع على الأرض أيضا. كما يُبطل كل الأسس الأيديولوجية للنزاع، من دون أن يكون الأمر سببا لإثارة مشاعر بالهزيمة.
الأيديولوجيا التي صنعت الصراع وأججته، هي التي سوف تسقط في آخر المطاف، وليس المزيد من البشر. وستظهر حاجة لمقاربات فكرية جديدة بين الطرفين.
إنه مجرى آخر للتاريخ، غير المجرى الذي بقينا نسير عليه حتى الآن. فلسطين التاريخية الإسرائيليون يستطيعون أن ينظروا إلى 'فلسطين التاريخية' على أنها وطنهم النهائي. وكذلك الفلسطينيون.
ويستطيع كل من يرغب من اليهود أن يأتي للعيش في إسرائيل.
كما يستطيع كل من يرغب من اللاجئين الفلسطينيين أن يعود أيضا، وذلك في إطار برنامج وطني مشترك لـ'سياسات العودة' يأخذ بعين الاعتبار ضغوط الكثافة السكانية وإمكانيات الأرض نفسها على الاستيعاب.
التاريخ الذي يقدم نفسه اليوم كتهديد وككارثة، سيكون تاريخا مختلفا كليا. سيكون تاريخ شراكة، لا تاريخ صراع. هذا الحل، معقول ومقبول، إذا أمكن النظر للمسألة من زوايا الواقع الأخرى:
 يوجد مهاجرون عرب ومسلمون يعيشون في أوروبا، أكثر مما يوجد مهاجرين يهود في فلسطين. ويحمل ملايين العرب والمسلمين جنسيات أوروبية أكثر مما يحمل يهود جنسيات إسرائيلية.
ومثلما أن من المعقول والمقبول أن تجد 1.5 مليون مهاجر عراقي يلجأون إلى سورية هربا من الظلم، فيجب أن يكون من المعقول والمقبول أن يلجأ 1.5 يهودي عربي إلى فلسطين هربا من الخوف.
هؤلاء اليهود، هم عرب. ومثلما يستطيع اليهودي المغربي أو اليمني أن يذهب ليعيش في دمشق أو القاهرة، من دون أن يبدو الأمر وكأنه كارثة، فليس كثيرا على الفلسطينيين أن يقبلوا بيهود عرب على أرضهم، ولا أن يضيفوا عليهم يهودا آخرين، طالما أن الوجود السكاني سيخرج من سياق الصراع ليدخل في سياق العيش المشترك.
ومثلما أن حل الدولة الواحدة، سيوفر الفرصة أيضا للكثير من الإبداع السياسي والأيديولوجي لإعادة بناء علاقة الفلسطينيين مع 'العرب اليهود'، فإنه سيمكن لليهود الغربيين أن يعيدوا النظر في تاريخ العلاقة مع العرب ككل.
غرناطة جديدة، أمر ممكن حقا.
هذا هو الحل الإيجابي الوحيد. وليس أمامنا دونه، سوى الجحيم. الإسرائيليون لن يقبلوا هذا الحل بسهولة، وذلك لسببين اثنين على الأقل: الأول، لأنه سيشكل تحديا لمدى قدرة 'الديمقراطية الإسرائيلية' على أن تكون ديمقراطية للجميع، لا ديمقراطية ذات طبيعة عنصرية. والثاني، لأن الإسرائيليين يتصرفون كطرف 'منتصر' بالمعنى العسكري للكلمة.
وكأي منتصر، فإن أول شيء يسعى إلى فعله هو إملاء شروط الهزيمة على الآخرين. ولكن الواقع يقدم تحديا حقيقيا لهذين السببين أولا، أن اجتماع مصالح 'عرب إسرائيل' و'العرب اليهود'، والعثور على سياسات استقطاب فيما بينهم، سوف يدفع في آخر المطاف إلى تفجير 'قنبلة الديمقراطية' داخل إسرائيل نفسها. وثانيا، الهزيمة العسكرية قابلة للرد.
ومع ذلك، فحتى لو لم يأت الرد، فإن 'الانتصار' العسكري الإسرائيلي في ميدان المعركة، ما يزال يترافق مع هزيمة ديمغرافية مكشوفة ومعلنة وتزداد وضوحا كل يوم.
حل السلطة الفلسطينية، وتحول النضال الفلسطيني إلى حركة حقوق مدنية، سوف يفتح طريقا آخر لإنهاء الإحتلال ولبناء ديمقراطية حقيقية تجمع بين الشعبين على أسس المساواة والاعتراف المتبادل بالحق في العيش بأمن وسلام في وطن مشترك. السلطة الفلسطينية الراهنة، وعلى الرغم من استقالة رئيسها، ما تزال تتعلق بأهداب الوهم بإمكانية المضي قدما بـ'حل الدولتين'.
هذا الوهم سوف يتبدد في آخر المطاف.
فالمعروض من خلاله هو اعتراف بالهزيمة وليس حلا.
وحتى إذا تم فرضه، فإنه لن يعيش.