الوضع الفلسطيني ومناوراته ( الجزء الثالث والأخير )

 
 

بقلم : أحمد.م.جابر

 
 

وهذا كله، يقع على مرجعية اتفاق أوسلو ـ شئنا أم أبينا ـ ومهما كانت التبريرات والحجج.
وهناك احتمال آخر أن تقدم حماس على توقيع الورقة المصرية، سواء بالموافقة الفورية على مبادرة الجبهة الشعبية الأخيرة (مبادرة جميل مجدلاوي) أو بمعزل عنها، لقطع الطريق على السيناريوهات التي تفترض حماس أن عباس يريد أن يمررها.
وهذا الأمر وإن كان إيجابياً بمظهره العام، إلا أنه يعني أن المصالحة نفسها دخلت متاهة المناورات والخدع من جديد، أي أنه سيكون مصيرها كمصير (اتفاق مكة) سيء الذكر.
الدولة وآفاق التسوية السيناريو المطروح هو أنه في مواجهة التعنت الإسرائيلي ستقدم منظمة التحرير على طرح موضوع الدولة على مجلس الأمن الدولي لاستصدار قرار بالاعتراف بها، وبمعزل عن الجدل إذا كان هذا سيعتبر إعلاناً من جانب واحد ـ كما تقول إسرائيل وتهدد بالرد عليه، أو أن له بعداً قانونياً آخر، فإن هذا الطرح برأينا ليس سوى مناورة تفتقد للجدية لأسباب عدة أهمها أن السلطة والمنظمة لم تراكم حجرا على حجر لمأسسة الدولة، بل أخضعت كل شيء للمساومة حتى دخلت إسرائيل في كل شق وزاوية من الوضع الفلسطيني على المستويات كافة، وبمعرفة وإرادة من أصحاب السلطة، ومن جهة ثانية فقد أجهض عباس ـ سلفاً ـ هذا السيناريو عندما قال أن إعلان الدولة هو شأن عربي.
وهذا يعكس أن السيناريو نفسه لم يكن سوى خدعة من جهة، وكأن عباس لا يعلم أن العرب لا حول لهم ولا قوة من جهة أخرى، هذا دون الخوف من المشاكل القانونية ذات البعد الدولي لإعلان الدولة والحفاظ عليها واستمرارها ..
ناهيك عن عواقبها من الطرف الإسرائيلي القادر على إجهاضها وتدميرها.. فما هو الحل؟!..
وما هي الإستراتيجية الفلسطينية المطلوبة وسط هذا التشابك والتعقيد.. إن هذا ما سنحاول الإجابة عنه في الفقرة الأخيرة.. هل من حل في الأفق؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تقتضي الإجابة عن سؤال أكثر أهمية: ما الذي فعلته اتفاقيات أوسلو ومسيرة التفاوض بالشعب والقضية الفلسطينية؟
مما لا شك فيه أن هذه المسيرة تركت الشعب الفلسطيني منقسماً على أكثر من مستوى، والحصاد المر ظاهر للعيان الآن، أزمة عميقة لا يمكن إنكارها تمس وحدة الشعب ، وجوهر هويته، ورؤيته للمستقبل، وبالتالي فإن مراجعة شاملة وعميقة وشفافة هي الخطوة الأولى المطلوبة من أصحاب هذا الخيار وهذا النهج، ولا يكفي التصريحات التي أطلقوها مؤخراً حول الاعتراف بالفشل، ما دام هذا الاعتراف لا يؤسس لمراجعة من هذا النوع، ولا يؤسس لمستقبل جديد، ونهج مختلف.
ولا شك أن الخطوة الأولى المطلوبة هي استعادة وحدة الشعب الفلسطيني، ولا نتحدث هنا فقط عن الانقسام المأساوي بين دويلتي الضفة وغزة، ونكبة الشعب الفلسطيني، بسلطتين لا تملكان من أمرهما شيئاً، حرف وجودهما المسار الرئيس وشوه جوهر الصراع واتجاهه الأساس، وإنما عن الشعب الفلسطيني في كل أماكن وجوده.
فالمطلوب إستراتيجية تعيد الثقة للاجئين بأنهم ليسوا منسيين ولن يتم تغييبهم أو التلاعب بقضيتهم، إستراتيجية تُذكر بأن الثورة الفلسطينية في جوهرها كانت ثورة لاجئين، ولأجل عودة اللاجئين.
مطلوب إستراتيجية تعيد الإمساك بدور فلسطينيي الداخل المحتل منذ 1948 بعد اتضاح السياسات الإسرائيلية ضدهم بشكل لم يسبق له مثيل، وتعيد إليهم دورهم الجوهري والأساسي في المعركة.
إستراتيجية تعيد اتجاه البوصلة نحو العدو الحقيقي، ونحو هدف ذي معنى ولو كان (شبه مستحيل).
وأيضاً.. وهنا وبعد الكارثة التي وصل إليها البرنامج المرحلي ونتاجه المشوه في أوسلو.. هل سنلتفت حقاً إلى فلسطين، إلى برنامج سياسي وإستراتيجي شامل يؤكد أن الحل الوحيد لحل الصراع على هذه الأرض إنما هو بتفكيك الصهيونية نهائياً والقضاء على هذا الكيان السرطاني.. هل سنقتنع الآن أن حل الدولتين هو حل فاشل ومشوه، ولا يمكن له أن يكون ذا قيمة، وأن الأفق الذي يلوح ويبتعد أفق الدولة الديمقراطية في فلسطين هو الحل الممكن.
أظن أن الفرصة مواتية الآن للقوى الفلسطينية التي تخوض الصراع لأن تعيد الإمساك بهدفها الأول والتاريخي، الذي لم تتردد فتح نفسها بالتذكير به في مقدمة برنامجها السياسي الجديد، والذي هو الهدف الأصل لمنظمة التحرير الفلسطينية.. فهذا هو التحرير.. وتلك هي الدولة.