|
لسنا بحاجة إلى تحليلات مستفيضة حول أن التسوية المطروحة حاليًا لن تؤدي إلى سلام عادل وأنها ستفضي في أحسن الأحوال إلى دويلة مقطّعة الأوصال ومنزوعة السيادة وتنازلات خطيرة في موضوع القدس وحق العودة. ولا يلوح في الأفق وجود بوادر خير لأي مبادرة جدية تستند إلى مبادئ "العدل النسبي"، حتى بعد خطاب أوباما في القاهرة وما تضمنه من تصريحات ومواقف متقدمة قياسًا بخطاب ومواقف الإدارة الأمريكية السابقة، لأنها تظل أسيرة استراتيجيات كبرى للولايات المتحدة التي ما زالت مؤسسات الدولة وأجهزتها تتمسك بها، خاصة تلك المتعلقة بأمن إسرائيل ومصالحها وتفوقها في منطقة الشرق الأوسط، الأمر الذي يتناقض مع لهجة "الاحترام المتبادل" الأوبامية ويضع نزاهته المفترضة موضع الشك.
إضافة إلى ذلك فإنّ سياسة إسرائيل نفسها كانت وستبقى عاملاً أساسيًا في انسداد أفق التسوية، وهذه حقيقة لا ينقضها عاقل.
في ظِل هذا الواقع كان لا بدّ من أن تطرح حلول بديلة وعلى رأسها حل الدولة الواحدة، الذي تناولته النخب الفلسطينية والعربية من زوايا وصيغ مختلفة على غِرار دولة ثنائية القومية، أو دولة ديمقراطية علمانية أو اتحاد فيدرالي، وغير ذلك.
ما ميّز طرح الدولة الواحدة رغم اختلاف الصيغ هو افتقاره لآليات ومرجعيات سياسية وتنظيمية.
من الوجهة التاريخية يعني حل الدولة الواحدة رفض المشروع الصهيوني في فلسطين، وبالتالي يعني رفض المقدمات التاريخية لهذا المشروع من سايكس- بيكو وحتى وعد بلفور، أي أنه رفض لمشروع التجزئة الاستعماري للوطن العربي، على اعتبار أنّ إنهاء المشروع الكولونيالي هو شرط ضروري لتحقيق النهضة والوحدة العربية.
إذن مشروع الدولة الواحدة كمشروع فلسطيني أولاً وعربي ثانيًا هو المشروع المضاد للمشروع الاستعماري في المنطقة بكل تجلياته، خاصة إذا تمّ التأكيد على بعده الديمقراطي بما في ذلك حل المسألة اليهودية على أسس ديمقراطية منصفة.
باعتقادي إن تجاوز الشعاراتية بمشروع من هذا النوع لن يتم بدون بناء الآليات والمرجعيات السياسية والتنظيمية المناسبة على المستوى الفلسطيني حتى وإن كانت آليات التحقق لا تكتمل بدون البعد العربي والإقليمي .
والمقصود بالمرجعية السياسية والتنظيمية حزب سياسي فلسطيني يتبنى مشروع الدولة الواحدة ويضم في صفوفه كل فلسطيني يصنّف نفسه في محور المقاومة والممانعة المناهض للمشروع الاستعماري في فلسطين والمنطقة، ويتجاوز الحدود الجغرافية والسياسية أي انه يشمل كافة ساحات العمل الوطني الفلسطيني في الداخل والأراضي المحتلة منذ عام 1967 والشتات الفلسطيني، ولا يلغي التحزبات القائمة وخصوصية برامجها المحلية.
إن التحزّب على أساس سياسي بات ضرورة موضوعية للشعب الفلسطيني خاصة في ظِل الانتماءات المتناقضة التي أصبحت غير قابلة للتعايش أمام التحديات التي يطرحها المشروع الاستعماري.
|