ما قاله نتنياهو، لغم زرعه كل من دعا وروّج لـحل دولتين لشعبين

 
 

بقلم : شراغا عيلام

 
 

من الواضح أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ليس صادقاً، وأنه يعوّل على السلطة الفلسطينية لترفض "الحل النهائي" الذي طرحه، حيث إن ما قاله نتنياهو يشاركه فيه معسكر السلام الإسرائيلي، بل قبلت قيادة السلطة عمليًا أجزاء كثيرة منه.
ما قاله نتنياهو ينسجم في أساسه مع الخط الذي رُسم في "مبادرة جنيف" (بما في ذلك الدعوة إلى دولة فلسطينية منزوعة السلاح والاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية)؛ ويُحتمل حتى أن نتنياهو استعان في خطابه بكاتب من جماعة مبادرة جنيف.
من جهة أولى، كل هذا النقاش حول الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية هو خدعة واضحة من نتانياهو لفرض شروط يستحيل على الفلسطينيين قبولها؛ ولكن من جهة ثانية فهذا الشرط قد قبلته لأغراض عملية جميع الدول العربية التي وقعت معاهدات سلام مع إسرائيل، وينطبق هذا على قيادة منظمة تحرير فلسطين أيضاً. إن أقوال نتنياهو هي لغم زرعه كل من دعا وروّج لـ"حل" دولتين لشعبين.
لقد كان هذا واضحًا أيضاً لأشخاص مثل أوري أفنيري والبروفيسور شلومو زاند الذي نشر رؤية إسرائيل كدولة تكون فيها السيطرة لليهود.
لا يستطع أيّ زعيم عربي أن يفاجأ حقاً بموقف نتنياهو، وهو الموقف الذي يمكن أن يكون ممهورًا بتوقيع كل من "ميرتس" أو "السلام الآن"، وإن بتعديلات أسلوبية طفيفة جدًا.
لقد سمعت في عام 1988 أحد قادة "سلام الآن" – مردخاي بَر أون – يدعو إلى "حل" بصيغة "دولة" فلسطينية منزوعة السلاح تبقى تحت سيطرة فعلية إسرائيلية.
من الواضح أنه لا نتانياهو ولا أيّ من "السلاميّين" الصهاينة يمكنه دعم دولة فلسطينية مستقلة حقاً إلى جانب إسرائيل. معنى ذلك أنه حتى من وجهة نظر صهيونية معتدلة لا يمكن للدولة الفلسطينية المقترحة أن تكون إلاّ محمية أو بانتوستان.
 قيادة منظمة التحرير الفلسطينية التي وقعت اتفاقات أوسلو كانت على علم بهذا الموقف الإسرائيلي، وفي أفضل الأحوال يمكن القول إنها حاولت خداع نفسها و/أو مؤيديها.
حتى مصطفى برغوثي، الزعيم السابق في الحزب الشيوعي الفلسطيني، أعلن في محاضرة في زيوريخ قبل بضعة أعوام أنه ليس من الواقعي أن نتوقع من إسرائيل الاعتراف بحق عودة اللاجئين الفلسطينيين؛ وذكر في السياق نفسه أنه مع ذلك على استعداد للتوصل إلى اتفاق مع إسرائيل، (ورغم نفيه لاحقاً لهذه الأقوال فهنالك تسجيل للمحاضرة؛ كما أنه كرّر ذلك في مقابلة أجرتها معه Tages-Anzeiger) وفي هذه الأثناء، تقول الرؤية غير المعلنة للنخبة الإسرائيلية الحالية (ليس فقط نتنياهو) بطرد الفلسطينيين.
هؤلاء الإسرائيليون يتوقعون من القيادة الفلسطينية رفض خطط "السلام" موفّرين بذلك عاجلاً أو آجلاً الذريعة لمزيد من التصعيد العسكري؛ و"جولة" أخرى تقوم بها إسرائيل في غزة أكثر وحشية من سابقتها، ليست سوى مسألة وقت.
مثل هذه الذريعة قد يوفرها ما تسميه إسرائيل "هجوم إرهابي ضخم"، أي عملية فلسطينية ينجم عنها وفاة عدد كبير من اليهود الإسرائيليين. منذ عام 2000 قال أنتوني كوردسمان، خبير أميركي مقرّب من المؤسسة الإسرائيلية، إنه بالرغم من لاأخلاقية الأمر فعلى القيادة الفلسطينية قبول الحد الأدنى الذي تعرضه إسرائيل، وإلاّ.../.
وقد كتب كوردسمان في تشرين أول 2000 :
حتى إذا أمكن الآن التوصل إلى تسوية سلمية رغم المواجهة الإسرائيلية الفلسطينية التي بدأت في أيلول 2000 ، فإنها ستخلف مشاكل رئيسة وتهديدًا آنيًا باندلاع أعمال عنف مستمرة، على الأقل من ذات المستوى المنخفض.
أية تسوية تكون مقبولة على الطرفين لا بد لها أن تترك القدس والضفة الغربية مقسّمتين تقسيمًا عميقاً.
جزء كبير من الضفة الغربية سيبقى تحت السيطرة الإسرائيلية، ومنطقة القدس الكبرى على الأقل، ستبقى مشـْرعة للاستيطان الإسرائيلي.
لا سلام يمكنه تلبية التوقعات الاقتصادية والسياسية للشباب الفلسطيني لسنوات قادمة.
 وإن كان ربما الأوان قد فات، أقول إن على قيادة السلطة الفلسطينية أن تحل نفسها لتسعى لاستراتيجية أخرى، بعد أن تقرأ تحليل كوردسمان الواقعي جدًا.